عبد الملك الجويني
386
نهاية المطلب في دراية المذهب
إنما وقعت خامسةً لتقدم أربع قبلها ، ولا حاصل لقول من يقول : الحرمة بالخامسة ، قالت عائشة : " فنسخن بخمس يحرّمن " . وهذا يضاهي مسألةً للأصحاب سيأتي ذكرها في مسائل أسباب الضمان من كتاب الديات ، وهي أن من شحن سفينة شِحْنةً على اعتدال ، فجاء آخر ووضع فيها عِدْلاً ( 1 ) ، رسبت السفينة بسببه [ وغرقت ، فكم يغرم ] ( 2 ) هذا الواضع ؟ فيه تفصيل ، وقد ذهب ذاهبون من أصحابنا إلى التوزيع ، وهذا الذي ذكرناه في الرضاع احتمال ، يعتضد برجوع الشهود ؛ فإنه لو شهد أربعة على الطلاق ، وجرى الحكم ، ثم رجعوا عن الشهادات واحداً واحداً ، فالغرم على جميعهم ، وإن كان انتقاص العدد المشروط يحصل برجوع الثالث ، والمذهب ما نقلناه ، وهذا احتمال أبديناه ، وهو [ دافعٌ ] ( 3 ) لا بأس به . 10047 - ولو كانت المسألة بحالها : ثلاث كبيرات وصغيرة ، فأرضعت واحدةٌ الصغيرةَ رضعة ، وأرضعت الثانيةُ رضعة ، ثم احتلبتا لبنيهما ، واحتلبت الكبيرة الثالثة لبنها ، وجمعن هذه الألبان في ظرف ، وأرضعن الصغيرة ، فقد حصل بما صورناه خمسُ رضعات ؛ فإن الأوليين قدمتا رضعتين ، ولما جمعن ألبانهن ، فكأنَّ كل واحدة أرضعت رضعة ، فيحصل ثلاثُ رضعات بهذا اللبن المجموع ، والتفريع على تحريم الصغيرة ، وثبوت الأبوّة . وغرضنا الكلام في الغرم ، ولا شك أنهن يشتركن في الغرم بسبب الاشتراك في الرضعة الأخيرة ، وذكر الشيخ أبو علي وجهين في كيفية فضّ الغرم عليهن : أحدهما - أن الغرم بينهن أثلاثاً ؛ فإنهن اشتركن آخراً عند حصول التحريم ، فالوجه فضُّ الغرم عليهن أثلاثاً .
--> ( 1 ) عِدْلاً : عدل الشيء مساويه في الوزن والقدر ، والعدل أيضاً نصف الحمل يكون على أحد جَنْبي البعير ، وهو الجُوالق ، أو الغِرارة ، وهو المراد هنا ( المعجم والمصباح ) . ( 2 ) في الأصل : وغرمت وكم يغرم . ( 3 ) في الأصل : واقع .